سباقات القدرة في الإمارات العربية المتحدة ليست مجرد رياضة، بل هي امتداد حيّ لتراث الصحراء، ورياضة متجذرة في البقاء والصمود والشراكة الأزلية بين الفارس وحصانه. ما بدأ كضرورة ثقافية في شبه الجزيرة العربية، تطور ليصبح أحد أكثر بطولات الفروسية تنافسيةً وشهرةً على مستوى العالم.
اليوم، تتبوأ الإمارات العربية المتحدة مكانةً رائدةً عالميًا في سباقات القدرة، حيث تستضيف فعاليات النخبة، وتُطوّر مرافق عالمية المستوى، وتُخرّج فرسانًا يتنافسون على أعلى المستويات الدولية.
من البقاء في الصحراء إلى رياضة منظمة
تاريخيًا، لم يُطلق على سباقات القدرة اسم “رياضة”، بل كانت أسلوب حياة. اعتمدت القبائل البدوية على الخيول العربية لقطع مسافات شاسعة في الصحراء تحت وطأة الحرارة الشديدة والتضاريس الوعرة. الخيول التي نجت وازدهرت كانت تلك التي تتمتع بقدرة استثنائية على التحمل، وسعة قلب هائلة، ومرونة فائقة.

لا يزال هذا الإرث الصحراوي هو أساس سباقات القدرة الحديثة.
على عكس قفز الحواجز أو الترويض، تختبر سباقات القدرة قدرة كل من الفارس والحصان على قطع مسافات طويلة. قد تمتد سباقات القدرة والتحمل من ٨٠ إلى ١٦٠ كيلومترًا في اليوم الواحد، مقسمة إلى مراحل مع فحوصات بيطرية بين كل مرحلة. لا يقتصر الهدف على السرعة فحسب، بل يشمل الأداء المُحكم والالتزام بمعايير صحية صارمة.
يجب أن ينهي الحصان السباق وهو في كامل لياقته البدنية، ورطب الجسم، وبصحة جيدة.
النمو المؤسسي والاعتراف العالمي
قامت دولة الإمارات العربية المتحدة بإضفاء الطابع الرسمي على سباقات القدرة والتحمل في التسعينيات، واستثمرت بسرعة في البنية التحتية، والمعايير البيطرية، والامتثال للمعايير الدولية. وقد أصبحت أماكن مثل:
مدينة دبي الدولية للقدرة والتحمل
قرية الوثبة للقدرة والتحمل
أسماءً لامعة في عالم الفروسية الدولي.
يخضع هذا النوع من الرياضة لأنظمة متوافقة مع الاتحاد الدولي للفروسية (FEI)، مما يضمن الإشراف البيطري، وأنظمة تأهيل الفرسان، وهياكل التصنيف العالمية.
استضافت دولة الإمارات العربية المتحدة العديد من بطولات العالم للقدرة والتحمل التابعة للاتحاد الدولي للفروسية، مما عزز مكانتها كمركز رئيسي لهذه الرياضة.
ميزة الحصان العربي
يكمن سر نجاح سباقات القدرة في الإمارات العربية المتحدة في الحصان العربي.
يُعرف الحصان العربي بما يلي:
سعة رئوية كبيرة
تعافي أيضي فعال
قدرة تحمل طبيعية
طباع ذكية
تهيمن سلالات الخيول العربية على سباقات القدرة عالميًا. وقد طورت برامج تربية الخيول في الإمارات سلالات مختارة خصيصًا لأداء سباقات القدرة، مع التركيز على قوة القلب والأوعية الدموية وسرعة التعافي بدلًا من الصفات الجمالية فقط.
يلعب الطب البيطري دورًا حاسمًا. تشمل الاستعدادات قبل السباق مراقبة معدل ضربات القلب، وموازنة الكهارل، وإدارة الترطيب، والتدريب على التكيف مع التضاريس.
لم يعد سباق القدرة يعتمد على الغريزة فقط، بل أصبح أداءً مدعومًا بالعلم.
نظام سباق القدرة النخبوي
يتضمن السباق النموذجي لمسافة 120 كم أو 160 كم عدة دورات، تتبع كل منها فحص بيطري إلزامي.
تشمل معايير التقييم الرئيسية ما يلي:
زمن تعافي معدل ضربات القلب
مستويات الترطيب
قوة العضلات
سلامة المشية
في حال عدم استيفاء الحصان لأي من هذه المعايير، يتم استبعاده فورًا.
يضمن هذا النظام الصارم بقاء رفاهية الخيول محورًا أساسيًا لنزاهة المنافسة. في السنوات الأخيرة، طبّقت دولة الإمارات العربية المتحدة إجراءات امتثال أكثر صرامة، وتتبعًا تقنيًا، وتحسينًا في إدارة الخيول للحفاظ على المعايير الدولية.
التضاريس الصحراوية: ميدان الاختبار الأمثل
توفر المناظر الطبيعية الصحراوية في دولة الإمارات العربية المتحدة بيئة مثالية لسباقات القدرة. فالرمال الناعمة والكثبان الرملية المتموجة والسهول المفتوحة تحاكي الظروف التاريخية التي تطورت فيها الخيول العربية.
ومع ذلك، تُجهز مضامير السباق الحديثة بدقة متناهية. تُسوّى مسارات الرمال وتُصان لتقليل مخاطر الإصابات، بينما تُوضع محطات التبريد ونقاط المياه بشكل استراتيجي على طول المسار.
وقد ازدادت شعبية سباقات الليل خلال الأشهر الباردة، لما توفره من مناظر خلابة ومستوى أمان حراري أفضل.
تنمية الشباب والمرأة في سباقات القدرة
يُعدّ الشمول أحد أبرز جوانب سباقات القدرة في دولة الإمارات العربية المتحدة.
يبدأ الفرسان الصغار تدريبهم من خلال أكاديميات الفروسية المنظمة، ويتدرجون عبر بطولات الناشئين قبل التأهل لبطولات الاتحاد الدولي للفروسية للكبار. كما شهدت مشاركة الإناث نموًا ملحوظًا، حيث تتنافس الإماراتيات وتحققن الفوز على المستويين الإقليمي والدولي.
تعكس سباقات القدرة في الإمارات العربية المتحدة تحولًا ثقافيًا أوسع نطاقًا، حيث تُحافظ التقاليد على استمراريتها بفضل المساواة الحديثة ومشاركة الشباب.
الأثر الاقتصادي والعالمي
تُساهم سباقات القدرة بشكل كبير في الاقتصاد الرياضي لدولة الإمارات العربية المتحدة. يدعم هذا القطاع:
مزارع تربية الخيول
الخدمات البيطرية
مورّدو الأعلاف
مصنّعو المعدات
الخدمات اللوجستية للنقل الدولي
تستقطب السباقات رفيعة المستوى متنافسين عالميين من أوروبا وأمريكا الجنوبية وآسيا، مما يُعزز مكانة الإمارات العربية المتحدة كمضيفة ومنافسة على الساحة العالمية.
كما تُعزز هذه الرياضة العلاقات الدبلوماسية والرياضية من خلال المشاركة الدولية.
الاستدامة وتطور رعاية الحيوان
في السنوات الأخيرة، دفع التدقيق العالمي سباقات القدرة نحو مزيد من الشفافية في رعاية الحيوان. وقد استجابت الإمارات العربية المتحدة بما يلي:





